القرطبي
363
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
نزول آية التحريم ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا . وقد قيل : إن الآية نزلت بسبب ثقيف ، وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم ، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم ، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء ، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف ، وكانت على بنى المغيرة المخزوميين . فقال بنو المغيرة : لا نعطى شيئا فإن الربا قد رفع ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد ، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب ، فعلمت بها ثقيف فكفت . هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم . والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه . الموفية ثلاثين - قوله تعالى : ( إن كنتم مؤمنين ) شرط محض في ثقيف على بابه ، لأنه كان في أول دخولهم في الاسلام . وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرر إيمانه فهو شرط مجازى على جهة المبالغة ، كما تقول لمن تريد إقامة ( 1 ) نفسه : إن كنت رجلا فافعل كذا . وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال : إن " إن " في هذه الآية بمعنى " إذ " . قال ابن عطية : وهذا مردود لا يعرف في اللغة . وقال ابن فورك : يحتمل أن يريد " يا أيها الذين آمنوا " بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء " ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين " بمحمد صلى الله عليه وسلم ! إذ لا ينفع الأول إلا بهذا . وهذا مردود بما روى في سبب الآية . الحادية والثلاثون - قوله تعالى : ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) هذا وعيد إن لم يذروا الربا ، والحرب داعية القتل . وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب . وقال ابن عباس أيضا : من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستثيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه . وقال قتادة : أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجا ( 2 ) أينما ثقفوا ( 3 ) . وقيل : المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله ، أي
--> ( 1 ) أي إثارة نفسه . ( 2 ) البهرج : الشئ المباح . ( 3 ) ثقفه : أخذه أو ظفر به أو صادفه .